| الحريّة المذهبيّة |
|
|
| الأخبار - اخر الآخبار | |||
| كتبها تأليف : جعفر الهادي | |||
| الأحد, 10 مايو 2009 13:31 | |||
|
الحاجةُ إلى التعارف { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } جاء الإسلامُ والشعوبُ متفرّقة متناکرة ، بل ومتصارعة متناحرة ، ولکن سرعانَ ما حلّ التعارفُ محلّ التناکر ، والتعاونُ محلّ التخاصم ، والتواصل محلّ التدابر ، بفضل تعاليم الإسلام التوحيديّة ، فکانت المحصّلة أن ظَهرتْ إلى الوجود تلك الأُمّة الواحدةُ العظيمة التي قدّمت ذلك العطاء الحضاري العظيم ، کما وحَمَت شعوبها من کلّ غاشم وظالم وصارت تلك الأُمّة المحترَمةُ بين شعوبِ العالَم وتلك الکتلة المُهابة في عيون الطغاة والجبّارين . ولم يکن ليتحقّق ذلك ـ کله ـ إلاّ بسبب وحدتها ، وتواصُل شعوبها الذي حصلتْ عليه تحت مظلّةِ الإسلام ، رغم تنوعِ الأجناس ، واختلافِ الاجتهادات ، وتعدّدِ الثقافات وتباين الأعرافِ والتقاليد ، إذ کان يکفي الاتفاقُ في الأصول والأسس ، والفرائض والواجبات ، فالوحدةُ قوّة ، والفُرقة ضَعف . وجرى الأمر على هذا المنوال حتّى انقلب التعارفُ إلى تناکر ، والتفاهم إلى تنافر ، وکفّرتِ الجماعاتُ بعضها بعضاً ، وضربتِ الفصائل بعضها بعضاً فزالتِ العزّةُ وتحطّمت الشّوکة وسقطت الهيبةُ واستخفّت الطغاة بتلك الأُمّة الرائدة القائدة حتّى جالت في ربوعها الثعالبُ والذؤبان ، وجاست خلال ديارها شذّاذُ الآفاق وملاعين الله ومغضوب و البشريّة ، فثرواتُها منهوبة ، ومقدّساتها مُهانة ، وأعراضها تحت رحمة الفجّار ، وسقوطات تلو سقوطات ، وهزائمُ اثر هزائم ، وانتکاسات في الأندلس وبخارى وسمرقند وطاشقند وبغداد ، قديماً وحديثاً وفلسطين وأفغانستان . وإذا هي تدعو فلا تُجاب ، وتستغيثُ فلا تُغاث ، کيفَ والدّاء شيء آخر ، کما وانّ الدواء شيء آخر کذلك ، وقد أبى الله أن يجرى الأُمور إلا بأسبابها ، ولا يصلُحُ آخر أمرِ هذه الأُمّة إلا بما صَلُح به أوّلها ؟ واليومَ إذ تتعرّض الأُمّة الإسلامية لأبشع حملة ضدّ کيانها ، وعقيدتها ولأشرس هجمة ضدّ وحدتها ، من خلال إيجاد الخلل في تعايشها المذهبي ، والاجتهادي ، وتکاد هذه الحملة تؤتي ثمارَها وتُعطي نتائجها ، أليسَ من الحَريّ بها بأن تزيد من رصّ الصفوف وتمتين العلاقات ، وهي رغم تنوّعها المذهبي تشترك في الکتاب والسنّة مصدراً ، وفي التوحيد والنبوّة والإيمان بالآخرة عقيدةً ، وفي الصلاة والصيام والحجّ والزکاة والجهاد والحلال والحرام شريعةً ، وفي مودّة النبي الأطهر وأهل بيته صلوات الله عليهم سهم وِلاء ، ومن أعدائهم بَراء وقد تتباين بعض الشيء في هذا الأمر شدّةً وضعفاً ؟ فهي کأصابع اليد الواحدة في الانتهاء إلى مفصل واحد ، وان اختلفت طولا وعرضاً وشَکلا بعضَ الشيء ، أو هي کالجَسَد الواحد في تعدّد جوارحِه من جهة وتعاونها في تفعيل الدّورِ الجَسَدانيّ في الکيان البشرىّ من جهة أخرى مع وجودِ الاختلاف في أشکالها . ولا يبعدُ أن تکونَ الحکمة في تشبيه الأُمّة الإسلامية باليد الواحدة تارةً ، وبالجسد الواحد تارة أخرى ، هي الإشارة إلى هذه الحقيقة . لقد کان العلماء من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية سابقاً ، يعيشون جنباً إلى جنب من غير تنازع أو صدام ، بل لطالما تعاونوا فيما بينهم ، فشَرح بعضهم کلاميّاً کان أو فقهيّاً ، وتلمّذ بعضهم على بعض وأشاد البعضُ بالآخر ، وأيّد بعضهم رأى الآخر ، وأعطى بعضهم اجازة الرواية للبعض الآخر ، واستجاز بعضهم البعض لنقل الرواية من کتب مذهبه وطائفته ، وصلّى بعضهم خلفَ الآخر ، وائتمَّ به وزکّى بعضهم الآخر ، واعترف بعضُهم بمذهب الآخر ، بل وکانت هذه الطوائف ، في مستوى جماهيرها تعيش جنباً إلى جنب في وداد ووئام ، حتّى يبدو وکأنّهم لا خلافَ بينهم ولا تباين ، وان کان يَتَخلّل کلّ ذلك بعضُ النقد والردّ ، إلاّ أنّه کان على الأغلب نقداً مؤدّباً ، ومهذّباً ، وردّاً علمياً ، وموضوعياً . وثمة أدلّة حيّة وتاريخيّة عديدة على هذا التعاون العميق والعريض ، وقد أثرى العلماء المسلمون بهذا التعاون التراث والثقافة الإسلامية ، کما ضربوا بذل أروع الأمثلة في الحريّة المذهبيّة ، هذا بالإضافة إلى أنّهم استقطبوا من خلال هذا التعاون اهتمام العالم بهم وکسبوا احترامهم . انّه ليس من الصعب أن تجتمع علماء الأمّة ويتناقشوا بهدوء وموضوعيّة ، وبإخلاص وصدق نيّة ، في ما اختلفت فيه الطوائفُ وللتعرّف على أدلّة کلّ طائفة وما تقيمه من برهان . کما أنّه من الجيّد والمعقول أن تقومَ کل طائفة وجماعة بعرضِ عقائدها ، ومواقفها الفکريّة والفقهيّة في جو من الحريّة والصراحة ، ليتّضح بطلان ما يُثار ضدّها من اتّهامات وشبهات ، کما ويعرف الجميع : الجوامع والفوارق ، ويعرفون أنّ ما يجمع المسلمين أکثر ممّا يفرقهم ، وبذلك يذوب الجليد بين المسلمين . وهذه الرسالةُ خطوة على هذا الدرب ، ومن أجل أن تتضّح الحقيقة ويعرفها الجميع کما هي ، والله وليّ التوفيق .
|
|||
| آخر تحديث الأحد, 10 مايو 2009 13:54 |

